السندريلا في الأدب.. رواية "سعاد والعسكر" تتبع مصير الفن في أيدي الضباط

أخبار

السندريلا في الأدب.. رواية "سعاد والعسكر" تتبع مصير الفن في أيدي الضباط

السندريلا في الأدب.. رواية "سعاد والعسكر" تتبع مصير الفن في أيدي الضباط

أصدرت دار "سطور" رواية جديدة للروائي العراقي، المقيم في ألمانيا، نجم والي بعنوان "سعاد والعسكر" يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، الذي يصادف عيد الميلاد الـ64 لنجم والي. الرواية ذاتها ستنشر بالألمانية في الشهر الثالث من العام القادم عن دار سيسسيون الألمانية السويسرية.

ومن العنوان ومن غلاف الرواية ومن أحداثها، يكتشف القارئ أن الرواية هي عن النجمة المصرية الراحلة سعاد حسني، وعلاقة مقتلها أو انتحارها بالمخابرات والنظام المصري.

ليست رواية بوليسية بالمعنى الكامل لتلك المدرسة التي يفتقدها القارئ العربي، فلا تبدأ بمقتل "سعاد حسني" والبحث عن قاتلها من خلال مُحقّق معين، بل تذهب لتشريح الامتلاك الكامل لسعاد منذ طفولتها من قبل رجل من المخابرات، وبالتالي امتلاك مصيرها.

خلال الرواية نعثر على خطوط عديدة وقصص متعددة وشخصيات متنوعة، تذهب إلى شرح تلك المعاناة التي يُعاني منها مَن يقع تحت سيطرة العسكر، فنعثر على ملفات عديدة لفنانات متعددات تمّ ابتزازهن من قبل المخابرات المصرية، لكي يبقين متعاونات معه، في مقابل النجومية ولقمة العيش.

الابتزاز الجسدي لا يقوم به إلا مجرمون، وقد يؤدي ذلك الابتزاز إلى قتل أحد الأطراف أو انتحاره، طالما لا يستطيع مَن تعرّض للابتزاز أن يُقاضي من يبتزه لأنه ببساطة هو الخصم والحكم في الوقت نفسه.

هذا الابتزاز تم من خلال استخدام الفنانة للتحايل ولابتزاز شخصيات أمنية وقيادية في بلدان أخرى لإخضاع تلك الشخصيات لسيطرة العسكر أيضا، والحصول منها على أسرار بلدانها. في حين يتمّ دعم الفنانة تلك إعلاميا وماليا بلا حدود، وإذا حاولت رفض المهمّة سيتم التخلص منها ومن الأسرار التي تعرفها عن أساليب أولئك العسكر.

ليست هذه الرواية رواية تسجيلية أيضا، بل هناك خيال ولعب روائيّ يستدرج القارئ للتساؤل عن الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال، وعن تلك القطع التي تنتمي للخيال والحدس أكثر من الواقع.

التمرد ضد السلطات

بعد رواية "إثم سارة"، التي تجري أحداثها الأساسية في السعودية، تأتي رواية "سعاد والعسكر" التي تجري أحداثها في مصر، وكأنّ والي يُخلص لذلك النمط من الكتابة في السياسة والإنسانية من خلال تعرية تجاوزات السلطات وقلّة حيلة الأفراد الذين يفكّرون، مجرد تفكير، في الانقلاب عليها.

سارة ظهرت أصلا في روايته "بغداد مالبورو"، التي دار فصل منها في السعودية، لكن كطفلة، وطفلة نبيهة، ولم تكن "متمردة" في ذاك العمل. والدها كان أحد المنتفعين من حروب العراق، بصفته يعمل مجهز تموين في القاعدة الأميركية في الظهران.

رواية "بغداد مالبورو" التي صدرت عام 2012، قالت عنها الناقدة الألمانية المعروفة "مايكه فاسمان" إنها "رواية مضادة للحرب، تستطيع أن تقيس نفسها مع عمل إريك ماريا ريمارك (كل شيء هادئ في الميدان الغربي)"، وذلك في مقالة نشرتها صحيفة "تاغيس شبيغل" على صفحة كاملة يوم 29 أبريل/نيسان 2014.

نجاح رواية "إثم سارة" ربما شجع نجم والي (ولد عام 1956) على التفكير في كتابة ثلاثية عن نساء متمردات، متفردات، "نساء يقاتلن الصخر بجسد من زجاج"، المرأة الثانية كانت المصرية سعاد، أما الثالثة فربما تكون عراقية.

السيرة والخيال

رغم أن سعاد حسني شخصية معروفة، وزاد البحث في سيرتها بعد حادثة رحيلها، فإن هذه الرواية ليست تسجيلية بحتة، ليست رواية سيرة، فالخيال الروائي يوجد بنسبة كبيرة. ولكن كم هي نسبة الحقيقي والمتخيّل في هذا العمل؟ وكم من الوقت أخذ منه البحث عن الجانب الحقيقي؟ وهل المتخيّل سيصبح حقيقيّا لورود الكثير من الحقيقي في العمل الروائي؟

هذه الأسئلة ستُشغل بال القارئ المحبّ لكتب السيرة ومعرفة الحقائق، ولكن بسبب سيولة السرد لن يبحث عن الحقيقيّ والمتخيّل بقدر ما سيلتفت إلى فنيّة النص وعمارته التي يستخدم فيها والي العديد من التقنيات السردية.

وفي الوقت الذي يسيطر فيه الراوي "العالم" على كثير من فصول الرواية، فإن والي يستخدم شخصيات أخرى كرواة في العمل، وكذلك يستخدم دفاتر كتبتها سعاد نفسها بوصفها مذكرات، وقد وظّف تلك المذكرات، كما حدث في رواية "إثم سارة"، داخل النص بشكل يزيد من توتر القارئ لمعرفة إن كانت سعاد حسني قد انتحرت أم تمّ قتلها والتخلص منها، وهي المهمة التي لا تشغل بال نجم والي خلال سرد الحكاية والحكايات.

شخصيتان رئيسيتان، وهما سعاد والضابط المسؤول عنها منذ طفولتها، والذي يتغير اسمه مرات كثيرة طوال العمل، وشخصيات ساردة كالرواي والطالب الأميركي العازف الذي جاء لمصر في بحث جامعي ولم يرجع منها. إضافة إلى شخصيات ثانوية عديدة يُمسكها ويحركها نجم والي بطرق متعددة، ويسير بها بين أميركا وبريطانيا ومصر والعراق.

استطاع والي أن يدخل إلى دواخل تلك الشخصيات بشكل كبير، وأن يتجوّل في حياتها الشخصية التي بدت خلفية للنص وليست جزءا من متنه، وهذا ما سهّل عليه مزج الواقعي بالمتخيل، خاصة وأن بطلة الرواية هي شخصية معروفة جدا، وما زال حضورها طازجا لدى زملائها الفنانين، وكذلك لدى جمهورها الواسع الذي صُدم بخبر رحيلها في لندن منتصف عام 2001.

سيرة واسعة

كان خبر رحيل أو انتحار ساندريلا صادما للشاشة العربية، واستدعى تساؤلات حول الجاني، أو عن أسباب انتحار شخصية مرحة ومحبوبة مثلها. ورواية "سعاد والعسكر" لا تذهب في هذا الاتجاه. ليس هدفهها التحقيق والإدانة، رغم أن الفصول العديدة عن العسكر، من رئيس الجمهورية إلى المخبرين العاديين، تجعل كتابة مثل هذه تذهب لكتابة سيرة أوسع من كتابة سيرة شخصية واحدة تستحق ذلك مثل شخصية سعاد حسني.

يعود نجم والي من خلال هذه الرواية، التي تجري أحداثها في 375 صفحة، إلى فضح الممارسات الأمنية لنظام عربي آخر، فبعد روايتيه "الحرب في حي الطرب" و"مكان اسمه كميت"، ومن ثم روايته "تل اللحم" التي فضح فيها الفساد الأمني العنيف في العراق وبشّر بنهاية الدكتاتورية، وروايته "إثم سارة"، يعود بهذه الرواية التي ستشهد نقاشات متعددة، وردودا قد تؤدي إلى منعها في معارض عربية عديدة.

رواية "مكان اسمه كميت" تصوّر الحياة العراقية قبل الاحتلال الأميركي للبلاد (الجزيرة)

الإخلاص للغة وللمكان

ومن خلال أعماله هذه وأعماله الأخرى، نجد أن والي ينحاز إلى شخصيات نسائية، في حين نجد شخصياته الذكورية عنيفة ومتسلطة وفاسدة. المرأة في روايات والي مضهَدة ومُعنّفة ولكنّها لا تستكين لمصيرها هذا، فهي عنيفة في رقّتها وكذلك عنيفة في انتقامها. هذا الانتقام الذي قد يطالها هي قبل الآخرين. انتقام من نفسها بسبب ضعفها السابق، وترك المجال للآخرين لاستغلال واستنفاد حياتها.

رواية "سعاد والعسكر" هي كذلك رواية من لحم ودم، وتشدّ القارئ العربي حتى نهايتها. القارئ العربي الذي أخلص والي الكتابة له بلغته العربية رغم إتقانه اللغتين الألمانية والإسبانية، ورغم انتقاله منذ أكثر من 40 عاما إلى ألمانيا، حيث إن والي لم يكتب بتلك اللغة سوى مجموعة قصصية واحدة، في حين أن جميع أعماله الأخرى كتبها باللغة العربية. كما أن رواياته نفسها لم تخرج من العراق والسعودية ومصر ولبنان، رغم عيشه الطويل خارج هذه الأماكن. كأنه يحاول العودة إلى المكان من خلال خياله ورواياته، بينما يتابع عيشه خارج المكان كسائح.