إسقاطات الماضي أم خيالات الحاضر.. لماذا كانت التنانين طاغية الحضور في أساطير العصور الوسطى؟

أخبار

إسقاطات الماضي أم خيالات الحاضر.. لماذا كانت التنانين طاغية الحضور في أساطير العصور الوسطى؟

منذ 6 أيام

إسقاطات الماضي أم خيالات الحاضر.. لماذا كانت التنانين طاغية الحضور في أساطير العصور الوسطى؟

لا يخفى على المتابع للفنون الحديثة مثل السينما والأدب والخيال المعاصر شعور الحنين العالمي الجارف للماضي والتوق الغربي للعصور الوسطى كأصل مفقود، مدفوعا بعواطف ورغبات وأيديولوجيات الحاضر.

وضمن ذلك الحنين المتنامي، تظهر من جديد رمزية التنين التي تعود لأساطير قديمة مثل الأساطير البابلية والهندية التي تصور تلك الكائنات وهي تأكل الشمس والقمر لتسبب الكسوف ومراحل القمر.

وتدرس علوم النفس -على نطاق واسع- ظاهرة الحنين إلى الماضي كظاهرة حديثة للناس المعاصرين، الذين أزعجتهم الوتيرة السريعة للتغير في العالم الصناعي، ليعبروا، كما تقول النظرية، عن مستويات غير مسبوقة من التوق لزمن كانت الحياة فيه أكثر قابلية للتنبؤ وأبطأ.

لطالما ارتبطت أساطير من قبيل التنين الذي يحرس كنزًا أو الفارس المقدام المستعد لإنقاذ إحداهن من براثن وحش كاسر بالعصور الوسطى، مع أن من عاشوا في تلك الفترة لم يروا في حياتهم كلها مخلوقًا مجنحًا ينفث النار.

وفي الحقيقة، إن التنانين والوحوش والقصص المرعبة التي تُروى حولها ليست سوى أساطير من وحي الخيال تناقلتها الأجيال وتعددت فيها الروايات بمرور الزمن.

أساطير التنين

يقول الكاتبان ديفيد بيري وماثيو غابريال، في تقرير نشرته مجلة "سميثسونيان" (Smithsonian) الأميركية، إن أساطير الوحوش في العصور الوسطى كانت بمثابة قصص تعليمية ودينية حول المحظورات التي يجب علينا تجنب فعلها والمخاطر التي تنطوي عن اتباع كل ما هو شيطاني وخارق للطبيعة، واستعارات عما يمكن أن يفعله الإنسان لأخيه الإنسان.

ولدى شعوب العصور الوسطى -الأوروبية على وجه الخصوص- حكايات عن جميع أنواع الوحوش وحتى عن الأشباح والمستذئبين والنساء اللواتي يتحولن إلى أفاعٍ أيام السبت، ولكن للتنانين مكانة خاصة في المخيال الشعبي سواء في تلك العصور أو في العصر الحديث.

كتاب بنغوين عن التنانين (كلاسيكيات)

طوال السنوات الماضية، درس سكوت بروس، المؤرخ في جامعة فوردهام، كيفية تحدث الناس عن الوحوش في العصور الوسطى. صدر له كتابان في عام 2016 و2018 تضمنا مجموعةً من النصوص القديمة التي تُمكّن القرّاء من معرفة كيفية تخيّل شعوب العصور الوسطى للأمور التي تخيفهم ليلًا.

وحسب بروس، فإن أحد أسباب تعاونه مع دار "بنغوين" (Penguin) للنشر هو رغبته في جعل "هذه المواضيع في متناول القرّاء من عامة الشعب"، ليبين أن وحوش الماضي ليست نفسها وحوش الحاضر.

عادة ما تصوّر الحكايات الشعبية الوحوش الأسطورية على أنها عدو لا يستطيع التغلب عليها سوى بطل شجاع، ولكن التنانين في أوروبا العصور الوسطى كانت في كثير من الأحيان تَرِد في الروايات الخاصة بحياة القديسين والرموز الدينية أكثر من كونها مجرد قصص مغامرات.

في القرن السادس، مثلًا، كتب الأسقف والشاعر الفرنسي فينانتوس فورتوناتوس (توفي مطلع القرن السابع الميلادي) عن أسقف باريس المدعو مارسيليس الذي قام أمام حشد من الناس في المدينة بطرد تنين التهم جثة امرأة فاسقة من النبلاء، حيث ضربه 3 مرات على رأسه وقاده مكبلا من باريس إلى الغابة ليعيش هناك دون إزعاج سكان المدينة مرة أخرى.

على نحو مماثل، كتب المؤرخ البيزنطي مايكل سيلوس في القرن الـ11 عن القديسة مارينا والتنين. بعد أن سُجنت وعُذّبت على يد مسؤول روماني أراد اغتصابها، واجهت مارينا شيطانًا على هيئة تنين تمكنت من قتله بعد أن ابتلعها من خلال رسم شعار التثليث المسيحي.

ورغم أن مسلسلات مثل "صراع العروش" و"فايكينغ" وغيرهما ليست تاريخية وتبدو مستوحاة من الأساطير الشعبية، فإنها -مع كشفها القليل فقط عن الماضي- تخبرنا الكثير عن كيفية تخيل ذلك الماضي، بحسب مُحاضر التاريخ بالجامعة المفتوحة ريتشارد مارسدن.

ويرى فلاسفة معاصرون أن مأزق ما بعد الحداثة يمكن من خلاله فهم الواقع المعاصر على أنه إعادة إصدار للقرون الوسطى.

وخلال العقد الماضي اكتشفت دراسات العصور الوسطى بالفعل ثروة من آثار ومخيال هذه الفترة الزمنية في ثقافة البوب وألعاب الفيديو على سبيل المثال، فضلا عن الأفلام والتلفزيون والأدب الشعبي، بحسب تقرير سابق للجزيرة نت.

خيالات وأساطير

يوضح الكاتبان للمجلة الأميركية أن صورة التنانين ذات الزعانف التي تنفث النار قد تكون تجسيدا للتهديد الوثني في الثقافة المسيحية، مثلما هي الحال مع القديس جورج.

عاش هذا القديس في القرن الثالث شرق البحر الأبيض المتوسط، وتقول الأسطورة إنه قتل تنينا في مقاطعة ليبيا الرومانية شمال أفريقيا. وبالنسبة للمسيحيين، كان هذا التنين يرمز إلى عبدة الأوثان في تلك الحقبة الذين مثلوا تهديدا على شرف المسيحيات لا يمكن سوى للفرسان هزيمته.

بحلول الوقت الذي باتت فيه واقعة قتل التنين العنصر الأكثر شيوعًا في القصص المروية عن القديس جورج خلال العصور الوسطى العليا، وُظفت معركته أيضًا للحديث عن قيم الفروسية الغربية المعاصرة والصراع بين المسيحيين والمسلمين.

كانت وحوش العصور الوسطى في بعض الأحيان تعكس مخاوف غير منطقية وأحيانا أخرى منطقية. فتنين الأسقف فينانتوس كان مخلوقًا يعيش في الغابة، بينما كان تنين الأسقف سيلوس على هيئة شيطان، في حين يجسد تنين القديس جورج أعداء الكنيسة من البشر.

وفي جميع الحالات كانت التنانين جزءًا من القصص الشعبية، حيث كانت تُجسد خطرًا وجب التصدي له أو تأمله على الأقل.

ويرى الكاتبان أن الناس في العصور الوسطى لم يكونوا شديدي الإيمان بالخرافات أو أكثر سذاجة من الناس في العصر الحالي.

وفي الماضي، لم تكن قصص الوحوش مجرد قصص للترهيب، بل كانت عبارة عن حكايات توعوية تحمل دروسا وعبرا للمسيحيين الذين يأملون في الخلاص.

اقرأ من المصدر