الصناعات الثقافية لإطالة عمل الاستعمار.. بريطانيا في أفريقيا وأدوات القوة الناعمة للإمبراطورية

أخبار

الصناعات الثقافية لإطالة عمل الاستعمار.. بريطانيا في أفريقيا وأدوات القوة الناعمة للإمبراطورية

منذ شهر واحد تقريباً

الصناعات الثقافية لإطالة عمل الاستعمار.. بريطانيا في أفريقيا وأدوات القوة الناعمة للإمبراطورية

في العقود القليلة الماضية، ازدهرت دراسات ما بعد الاستعمار التي تدرس الإرث الثقافي للاستعمار والإمبريالية، وتتناول تبعات استغلال سكان المستعمرات وردود فعل هؤلاء على الاستعمار وإجاباته الأدبية والفكرية والأيديولوجية.

في  كتاب "إعادة الظهور الاستعماري: المشروع الثقافي للإمبراطورية البريطانية المتأخرة" (Imperial Encore: The Cultural Project of the Late British Empire)، الصادر عن مطبعة جامعة كاليفورنيا 2021، تستكشف المؤلفة كارولين ريتر -المؤرخة المختصة بدراسة تاريخ الإمبراطورية الحديثة- كيفية استخدام الصناعات الثقافية كجزء من إستراتيجية إطالة عمر الإمبراطورية البريطانية في أفريقيا، مع التركيز على الفترة من الثلاثينيات إلى الثمانينيات من القرن الماضي.

في الثلاثينيات من القرن الماضي، قدّم المسؤولون الاستعماريون البريطانيون عروضًا مسرحية وخدمات إذاعية ومكاتب نشر لأفريقيا، تحت عنوان "التنمية الاستعمارية".

استخدم أولئك المسرح والراديو والكتب التي تم نشرها على نطاق واسع لنشر القيم البريطانية واللغة الإنجليزية عبر القارة، وأثبت هذا المشروع مرونة ملحوظة بعد نهاية الحكم الإمبراطوري البريطاني، إذ نجح التكيّف مع الواقع الجديد وبقي العديد من المؤسسات الثقافية البريطانية في مكانه.

وخلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، استمر الجمهور الأفريقي في حضور عروض شكسبير والاستماع إلى إذاعة "بي بي سي" (BBC)، بينما اعتمدت الحكومات الأفريقية الكتب المدرسية باللغة الإنجليزية التي تنتجها دور النشر البريطانية.

يتتبع الكتاب الأدب والدراما الإنجليزيين والبث والنشر في أفريقيا في الحقبة التي شهدت نهاية الحكم الاستعماري البريطاني وبداية الحكم القومي الأفريقي، وتوضح كارولين ريتر كيف قامت 3 مؤسسات ثقافية كبرى -المجلس الثقافي البريطاني، وهيئة الاذاعة البريطانية، ومطبعة جامعة أكسفورد- بدمج عملها مع أهداف الإمبراطورية البريطانية، واستمرت في هذا المشروع بعد انتهاء الحكم البريطاني الرسمي.

وبتتبع هذه المؤسسات ووسائل الإعلام التي أنتجتها خلال الفترة المضطربة لإنهاء الاستعمار وعواقبها، تقدم ريتر أول وصف لما تسميه البصمة العالمية للإمبريالية الثقافية البريطانية.

أدوات ثقافية

وفي عرضها للكتاب، تقول لوري لي أوتس الأكاديمية في مركز التاريخ العالمي بجامعة إكستر البريطانية إن نهج الكتاب يتناول بفاعلية ضمن مجموعة الأبحاث الموسعة، أهمية المنتجات الثقافية كأدوات لبناء الإمبراطورية.

وبينما تفحص ريتر كيف تم توظيف جوانب من الثقافة المادية -مثل العروض المسرحية وخدمات البث ومكاتب النشر- تحت ستار التطور الاستعماري لتوسيع المشروع الإمبراطوري، تؤكد أن هذا تم بطرق لا تبدو واضحة دون فحص هذه الوسائط المختلفة جنبًا إلى جنب وفي مجملها، بحسب العرض المنشور في موقع مدرسة لندن للاقتصاد (LSE).

وفي مقدمة الكتاب، تجادل المؤلفة بأن "التاريخ السياسي لنهاية الإمبراطورية البريطانية يجب إعادة مواءمته مع التاريخ الثقافي للطموح الإمبراطوري المتجدد".

ويتمثل إنجاز الكتاب الرئيسي في تجميع وسائل البث والفرق المسرحية المتنقلة وأعداد الكتب المطبوعة معًا، من أجل إظهار "كيف سيطرت نفس المجموعة من الفنانين والمثقفين على استمرارية النشاط الثقافي البريطاني في أفريقيا".

من خلال القيام بذلك، يظهر التماسك الاجتماعي للوكالات الثقافية البريطانية، سواء في الاعتراف بأهمية الإمبراطورية أو في العمل الجماعي للحفاظ عليها.

الثقافة والإمبريالية

وينقسم الكتاب لقسمين: أولهما يستند لعمل المفكر الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد "الثقافة والإمبريالية" (1993)، إذ توضح المؤلفة كيف أن "نقد ما بعد الاستعمار لم ينزع سلاح الإمبريالية الثقافية البريطانية. في الواقع، كان يسير جنبًا إلى جنب بل عززها في بعض الأحيان".

وكمفكر ورائد في دراسات ما بعد الاستعمار، نظر سعيد إلى الاستشراق (كنظرائه ميشيل فوكو وآخرين) باعتباره توظيفا سلطويا للمعرفة بالشرق، بعد "شرقنته" وتنميطه، تمهيدا لاستعماره والسيطرة عليه.

بالاعتماد على المصادر الأولية، توضح المؤلفة كيف أكدت الوكالات الثقافية البريطانية -بما في ذلك هيئة الإذاعة البريطانية وشركات النشر مثل مطبعة جامعة أكسفورد- أنها كانت "تعزز المدخلات الأفريقية وتشجع الأصوات المعارضة" لإثبات أن مثل هذه الوكالات كانت مهمة وضرورية لمجتمع ما بعد الاستعمار، أي أنها استوعبت الأصوات المعارضة لتعزيز حضورها في المجتمعات الأفريقية بعد رحيل الاستعمار.

يجادل الكتاب بطريقة مقنعة بأن المسؤولين البريطانيين صمموا في الأصل جهودهم للوصول في شرق وغرب أفريقيا عبر المستوطنين البيض ونخبة الجماهير، ومع ذلك، فقد بدؤوا في النهاية باستهداف السكان الأفارقة السود من غير النخبة.

وأكد المسؤولون البريطانيون أنهم يريدون علاقة إيجابية بين بريطانيا وأفريقيا ستستمر في فترة ما بعد الاستعمار، وهذا يتناقض مع الطريقة التي سيصوغ بها الكتاب والسياسيون الأفارقة رؤاهم لدولهم القومية الجديدة ما بعد الاستعمار، بحسب ما تقول المؤلفة، فكان ما حدث هو "عودة ظهور إمبراطورية" .

على سبيل المثال، اعتمد المجلس الثقافي البريطاني على المكانة البارزة لأعمال المسرحي الإنجليزي ويليام شكسبير في المناهج والامتحانات، لمواصلة تصدير الدراما والأدب إلى أفريقيا.

ويعد المجلس الثقافي البريطاني اليوم منظمة عامة تسهل الفرص الثقافية والتعليمية، وقد تأسست في ثلاثينيات القرن الماضي "بهدف إبراز الثقافة الوطنية في الخارج".

وشملت تلك الجهود أيضا تطوير العروض المسرحية من خلال الفرق المسرحية المتنقلة التي جلبت أعمال شكسبير إلى المستعمرات، كما أنها وفرت فرصًا لتعلم اللغة الإنجليزية.

الخدمة الإمبراطورية

وفي الفصل الثالث، تدرس ريتر هيئة الإذاعة البريطانية، إذ بدأت "بي بي سي" البث المحلي في عشرينيات القرن الماضي، وافتتحت ذراع البث الخارجي، ثم أطلق عليها اسم "الخدمة الإمبراطورية" (Empire Service) في أوائل الثلاثينيات.

تم بناء هذا الأخير على موجة البث القصيرة، وهو اكتشاف جديد نسبيًا "سمح للمذيعين بالبث عبر مسافات طويلة بتكلفة رخيصة".

وتقول المؤلفة إن أجهزة الاتصال كانت غالبا ما تستخدم لتوسيع نطاق الاستعمار، كما حدث من قبل بمد خطوط التلغراف وتوسيع نطاق عمل السفن البخارية والسكك الحديدية، وهكذا تم وضع تقنيات الراديو الجديدة في خدمة الإمبراطورية.

لم يكن الجمهور المحلي أولوية بالنسبة لهيئة الإذاعة البريطانية، بحسب المؤلفة التي تشير إلى أنه بعد أزمة السويس عام 1956 (العدوان الثلاثي)، بدأت بريطانيا تتعامل مع قضية إنهاء الاستعمار من خلال توجيه خطابها للجماهير والسكان الأصليين في شرق وغرب أفريقيا.

وعبر تأكيدها أنها مع الاستقلال الأفريقي، وجدت بي بي سي نفسها لأول مرة "مضطرة للتنافس من أجل جمهور ما بعد الاستعمار، في نفس اللحظة التي أصبح فيها الجمهور أكثر أهمية".

الكتب والنشر

"الكتب بكل تنوعها هي الوسيلة التي يمكن بواسطتها دفع الحضارة إلى الأمام وهي منتصرة"، هذا الاقتباس لعام 1937 من رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل، هو افتتاح الفصل الثاني من الكتاب، وتقول المؤلفة إنه تم جلب الكتب إلى الأفارقة لنشر الثقافة في المستعمرات.

أصبحت كلمات تشرشل نهجا عمليا وسياسيا داخل المستعمرات، وتؤكد ريتر أنه "في ذلك الوقت بالتحديد، بدأ الناشرون البريطانيون إبداء الاهتمام بتوسيع نطاق صناعتهم، ولا سيما في المستعمرات الآسيوية والأفريقية، حيث تخيلوا أسواقًا غير مستغلة لا نهاية لها".

لقد انتهزوا الفرصة وبدؤوا يرددون كلمات تشرشل للتدليل على أن عملهم كان أكثر من مجرد السعي للأسواق والأرباح، ففي أذهانهم "كان لصناعة النشر البريطانية مكانة مركزية داخل الرسالة الحضارية الكبرى".

وفي العقود الثلاثة التي أعقبت تأسيسه، نما المجلس الثقافي البريطاني من عدد قليل من الإدارات ومكاتب التمثيل حول العالم إلى منظمة تضم آلاف المسؤولين الذين يعملون في 70 إقليمًا، بما في ذلك 20 إقليما في أفريقيا.

كان المسؤولون يسافرون بين لندن ودول ما وراء البحار كل 3 سنوات، وترى المؤلفة أن ذلك يعكس عدم اهتمام المجلس الثقافي البريطاني بصقل الخبرات المحلية في مناطق المستعمرات بين مسؤوليه.

وتصف أيضًا كيف مثّل أعضاء لجنة المجلس الثقافي البريطاني "نسخة نخبوية مركزها لندن من المرحلة التي كان لديهم فيها مصالح مالية وسياسية وثقافية واضحة ينبغي الحفاظ عليها".

كان يُنظر إلى أنشطة دعم الإمبراطورية على أنها قضية أمن وسلامة لموظفي الخدمة المدنية البريطانية في أفريقيا، وبعد الحرب العالمية الثانية "أعرب المسؤولون عن مستويات متزايدة من القلق بشأن ضراوة السياسة الشعبية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى".

شعر المسؤولون الاستعماريون أنه من خلال تطوير المؤسسات يمكنهم استخدام المجال العام لتخفيف مطالب التغيير السياسي.

وتخلص ريتر إلى أن "الإمبريالية الثقافية البريطانية أعادت اكتشاف نفسها كنسخة جديدة من الانتماء العالمي، تتداخل عناصرها مع القيم الغربية بشكل عام، مثل حرية التعبير والصحافة والتنافس في النشر".

تم بناء هذا على فكرة أن الثقافة "البريطانية الموقرة" يمكن أن تحمل رسالة خير للعالم، وتجادل المؤلفة بالقول إن المسعى الإمبراطوري لا يزال حاضرًا إلى حد كبير "تغذيه الثقة الثقافية بالنفس التي توجه الدور الذي ما زالت بريطانيا تسعى إليه لنفسها في العالم اليوم".

وهذا الاستنتاج قد يساهم في تفسير العديد من النقاشات والسياسات الحديثة في بريطانيا، مثل خروجها من الاتحاد الأوروبي ومفهوم "الاستثنائية البريطانية" الذي تم تعزيزه في السنوات الأخيرة، حيث الثقافة تستخدم أداة للإمبراطورية ضمن محاولات لتوسيع الإمبريالية عبر القوة الناعمة.

اقرأ من المصدر