الذكاء الاصطناعي: ثورة في التفكير أو انهيار في التفكير الفلسفي؟

في عصر الذكاء الاصطناعي، تتصدر الدول العالم في إنشاء وزارات مخصصة لهذا المجال، وتخصيص لها حقائب وموازنات واستراتيجيات ومؤتمرات دولية. بعد قرون من انشغال الحكومات بتدبير شؤون البشر، ظهر الآن عقل اصطناعي يمكن إدراجه في الهيكل التنظيمي للدولة، ومساءلة المسؤولين عن أدائه.
في هذا السياق، يتساءل البعض عن مصير الذكاء الطبيعي الذي أخذ أصحابه يتخلّون عن استعماله طوعًا وبحماسة منقطعة النظير. الإنسان الذي استقال من عقله لم يكتفِ باختراع آلة تفكّر نيابة عنه، بل أراد أكثر من ذلك بكثير. أراد آلة تفهمه حين يعجز عن فهم نفسه، وتُجامله حين يقول الحماقات، وتعتذر إليه حين يخطئ، وتشكره على أسئلة كان ينبغي أن يخجل من طرحها.
بعد آلاف السنين من التأمل الفلسفي والبحث عن الحقيقة، انتهى المطاف بهذا الكائن المتباهي بعقله إلى اختراع جهاز يسأله: «من أنا؟» يجيبه الجهاز في ثلاث ثوانٍ، بعبارات فلسفية رنّانة وعناوين فرعية مرتبة، فيقرأ الجواب بانفعال، ويشعر أنه اكتشف أخيرًا أعماق شخصيته، ثم يطلب اختصار التحليل في سطرين لأنه لا يحب القراءة.
كان الإنسان في الماضي يحتاج إلى سنوات من التجارب والأخطاء حتى يكتشف حدود ذَكائه. أمّا اليوم، فقد أصبح الغباء يتمتّع بخدمة عملاء ممتازة. يستطيع أي شخص أن يسأل الذكاء الاصطناعي عن إمكانية التحوّل إلى عبقري دون قراءة كتاب واحد، فيتلقّى جوابًا مشجعًا يبدأ بعبارة: «سؤال رائع!»، تتبعها خطة من خمس مراحل لتحقيق العبقرية بأقل مجهود.
لو عاد سقراط إلى الحياة وشاهد هذا المشهد، لشرب كأس السم مرة أخرى، لا خوفًا من محكمة أثينا، وإنما هربًا من حضارة حوّلت السؤال الفلسفي إلى طلب تقني عاجل. الذّكاء الذي ابتلع صاحبه ومع انتشار هذه المعجزة، شهد العالم ازدهارًا غير مسبوق في صناعة العباقرة.
ظهر شعراء لا يشعرون، وروائيون لا يتخيَّلون، وفلاسفة لا يفكّرون، ونقّاد لا يقرأون، وخبراء يستخرجون خبرتهم من محادثة قصيرة مع برنامج سريع الإجابة. يكفي أن يطلب أحدُهم نصًّا عميقًا لم يسبق إليه أحد، حتى تنهال عليه الاستعارات، وتتزاحم المفاهيم مثل موظفين يتظاهرون بالنشاط أمام المدير.
ينشر صاحبنا النص مرفقًا بصورته وهو يحدّق في الأفق، ويكتب تحته: «من تأملاتي الخاصة». أي تأملات هذه؟ لقد استغرق تأمّله سبع ثوانٍ، قضى أربعًا منها في تصحيح خطأ إملائي. ثم يأتي قارئ كسول فيطلب تلخيص النص، وناقد أكثر كسلًا فيطلب تحليل الملخص.
لماذا يهم هذا؟ في عصر الذكاء الاصطناعي، يتساءل البعض عن مصير الذكاء الطبيعي الذي أخذ أصحابه يتخلّون عن استعماله طوعًا وبحماسة منقطعة النظير. الإنسان الذي استقال من عقله لم يكتفِ باختراع آلة تفكّر نيابة عنه، بل أراد أكثر من ذلك بكثير. أراد آلة تفهمه حين يعجز عن فهم نفسه، وتُجامله حين يقول الحماقات، وتعتذر إليه حين يخطئ، وتشكره على أسئلة كان ينبغي أن يخجل من طرحها.


